القرطبي

53

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والله لقد أسلمت وانه لفي صلب رجل كافر ! يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبد الله ابن مسعود : يأهل العراق ، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله عز وجل يقول : " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " فألقوا الله بالمصاحف خرجه الترمذي . وسيأتي الكلام في هذا في سورة " آل عمران " ( 1 ) إن شاء الله تعالى . قال أبو بكر الأنباري : ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبد الله ابن مسعود في جمع القران ، وعبد الله أفضل من زيد ، وأقدم في الاسلام ، وأكثر سوابق ، وأعظم فضائل ، الا لأن زيدا كان احفظ للقران من عبد الله إذ وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، والذي حفظ منه عبد الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وسبعون سورة ، ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالذي ختم القران وحفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أولى بجمع المصاحف وأحق بالايثار ولاختيار . ولا ينبغي ان يظن جاهل ان في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود ، لأن زيدا إذا كان احفظ للقران منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه ، لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيد احفظ منهما للقرآن ، وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب . قال أبو بكر : وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك فشئ نتجه الغضب ، ولا يعمل به ولا يؤخذ به ، ولا يشك في أن رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقى على موافقتهم وترك الخلاف لهم . فالشائع الذائع المتعالم عند أهل الرواية والنقل : ان عبد الله بن مسعود تعلم بقية القران بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد قال بعض الأئمة : مات عبد الله بن مسعود قبل ان يختم القران . قال يزيد بن هارونه المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران ، من زعم انهما ليستا من القران فهو كافر بالله العظيم ، فقيل له : فقول عبد الله بن مسعود فيهما ؟ فقال : لا خلاف بين المسلمين في أن عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القران كله . قلت : هذا فيه نظر ، وسيأتي . وروى إسماعيل بن إسحاق وغيره قال حماد - أظنه عن انس بن مالك ، قال : كانوا يختلفون في الآية فيقولون اقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم

--> ( 1 ) في آية 161 راجع ج 4 ص 256